في فجر كل يوم، استيقظُ وأتأمّل الطبيعة من شرفة منزلي الجبليّة. وأسأل نفسي هذا السؤال: هل من الممكن أن يعطينا الله مُبدعُ الكون، شيئاً مضرّاً ومميتاً في غذائنا اليومي مثل الغلوتين في القمح؟ 
كيف كان آباؤنا الأوّلون يزرعون القمح ويستهلكونه بكميّات كبيرة من دون أن يشعروا بالمرض أو الانزعاج؟ ماذا حصل؟ والجواب المفاجئ هو أنّ الأنسان هو من حوّل الغذاء الأساسي إلى سُمٍّ مميت لبعض الناس. 
من المؤكّد أنّ مرض السيلياك موجود منذ آلاف السّنين. فقد تكلّم عنه الطبيب اليوناني آراتيوس من كابادوكيا منذ أكثر من ثمانية آلاف سنة وأطلق عليه اسم "كوليا". لكن ما لم يعرفه الطبيب في تلك الأيام هو أن الغلوتين هو سبب هذا المرض. ومن المؤكّد أيضاً هو أنّ عدداً قليلاً من الناس كان يعاني من هذا المرض في تلك الأيام. وقد أثبتَت الأبحاث التي أُجريَت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي أن هناك واحداً في كلّ خمسة آلاف نسمة يعاني من السيلياك. 
إذا ماذا حصل اليوم؟ لماذا يعاني كثيرون من هذا المرض أو من حساسيّة القمح؟
ما زالت الأبحاث والنظريات حول السبب الرئيسي لهذه الزيادة في نسبة مرضى السيلياك متضاربة. هناك دراسات تُثبت أن تركيبة القمح المعدّلة جينيّاً (genetically modified)، وطريقة زراعته في عصرنا هذا هي المسبب الرئيسي. فقد تغيّرت تركيبة القمح كثيراً عمّا كانت عليه في السابق. وبسبب ذلك، فقد أصبحنا نستهلك من الغلوتين في غذائنا اليومي كميّات أكبر بكثير من السابق. الغلوتين موجود في مأكولاتٍ كثيرة معروفة ومستهلكة بوفرة مثل الخبز والحلويات. لكن هل تعلم أنّ الغلوتين موجودٌ أيضاً في منتجاتٍ أُخرى مثل الشيبس والصلصات وحتّى في بعض البهارات والتتبيلات؟ 
المفارقة اللافتة هي أن دولاً آسيويّةً عدّة تعتمد في غذائها الأساسي على الأرز، هي من أقل الدّول التي يعاني ناسها من مرض السيلياك، إلّا أنّ النسبة ارتفعت كثيراً في السنوات العشر الأخيرة هناك وذلك بسبب دخول المأكولات الغربيّة إلى هذه البلاد عبر شبكات المطاعم العالميّة. هذه المطاعم اجتاحت دول آسيا، الأمر الذي جعل الجيل الجديد يأكل هذه الأصناف الجديدة ويتعرّض بالتالي لأمراض مثل السيلياك.
ولا بدّ من الإشارة إلى ما تنشره بعض الدراسات، وإن كانت من دون إثباتات مؤكّدة، عن أن التلوّث والتغيّر المناخي قد يؤثّران ويساعدان على تطوّر أمراض المناعة الذاتيّة ومنها السيلياك وبالتالي تفشّيها. وتُثبت دراسات أخرى أن سبباً رئيسيّاً لمرض السيلياك هو تناولنا كميّات كبيرة للمضادات الحيويّة ((Antibiotics. هذه المضادات تقتل الباكتيريا المسبِّبة للمرض، إلّا أنّها تقتل أيضاً البكتيريا الجيّدة الموجودة في الأمعاء. 
بناء على ما تقدّم، فإنّ الإنسان هو المسبِّب الأوّل لارتفاع نسبة مرضى السيلياك في العالم. 
يا ليتنا نعود إلى الأكل الطبيعي الخالي من كل الإضافات غير الطبيعية والمركّبة ونعود إلى بساطة طعام أجدادنا! تحضرني في هذا الصباح الجميل كلمات أُغنية الشحرورة صباح "عَ البساطة البساطة يا عيني عَ البساطة ... تغدّيني خبز وزيتون وتعشّيني بطاطا".